
لا تُفوّت إسرائيل فرصة للتأكيد على رعبها الدائم من الكلمة، والسردية، والأهمّ، حساسيّتها المفرطة إزاء النظر إلى خبايا التاريخ.
ضمن هذا المسار، وصلت الحال بالقوات الإسرائيلية إلى مداهمة ـــ ليس مخزن صواريخ أو حتّى بضع رصاصات ـــ مركز «يبوس» الثقافي في حيّ الشيخ جرّاح في القدس الشرقية، الأسبوع الماضي، بهدف إيقاف عرض فيلم «فلسطين 36»، الذي وصل إلى اللائحة القصيرة لجوائز الأوسكار 2026.
ووفقاً لما أفادت به مصادر إعلامية دولية، اقتادت القوّات الإسرائيلية عامل العرض إلى التحقيق بعدما أجبرت القيّمين على وقف العرض فوراً. إلى جانب ذلك، علّقت القوات المُقتحمة إشعاراً رسمياً يحظر تنظيم أي عروض لاحقة للفيلم، بذريعة أنّه «يروّج لأنشطة إرهابية».
استنفار أمني في وجه السردية
لم يأتِ التحرّك الإسرائيلي في سياق أمني طارئ، إنّما جرى بأمر مباشر من قائد شرطة منطقة القدس الجديد أفشالوم بيلد، في إطار حملة أمنية أُطلق عليها اسم «درع العاصمة». ويشير توقيت المداهمة وحدّتها إلى حالة استنفار واضحة إزاء الفيلم، ولا سيّما أنّه يعيد فتح ملفّ تاريخي تحاول إسرائيل طمسه منذ عقود.
ويتناول الفيلم أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامَي 1936 و1939، مسلّطاً الضوء على الدور البريطاني في قمع الانتفاضة الشعبية، وعلى السياسات الاستعمارية التي مهّدت لتمكين العصابات الصهيونية قبل النكبة. كما يُركّز على العنف الممنهج الذي مارسه الجيش البريطاني، إلى جانب حالة التواطؤ السياسي التي شكّلت الأساس لاقتلاع الفلسطينيين لاحقاً.
إضافة إلى ذلك، يروي الفيلم القصة من وجهة نظر فلسطينية خالصة، متابعاً شخصيات من خلفيات اجتماعية مختلفة، ومظهراً كيف تحوّلت الثورة إلى لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، وضعت الأسس لكل ما تلاها من نكبات وتهجير وصراع مفتوح.
نجاح مبهر
وإثناءً على العمق التاريخي الذي يستعرضه العمل السينمائي، حظي «فلسطين 36» بجولة مهرجانية لافتة، وعُرض في مهرجانات دولية كبرى، كما فاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان «ساو باولو» السينمائي.
والأبرز من ذلك، قدّمته فلسطين كمرشّح لها في حفل توزيع جوائز الأوسكار، ووصل إلى القائمة القصيرة. وتجاه المحتوى الغنيّ للعمل وانتشاره في عدد من الدول الأوروبية والعربية، استنفرت تل أبيب في محاولة لإسكات العمل وتخفيف تأثيره العميق في فضح حقبة رئيسية يستند إليها العدو في سرديّته.
في هذا السياق، تأتي ملاحقة الفليم ضمن سياق أوسع تستهدف فيه «إسرائيل» السردية الفلسطينية وتسعى إلى كبح أي عمل ثقافي يُعيد تعريف التاريخ خارج الرواية الصهيونية الرسمية.
ويتوسّع حجم هذه الملاحقة ليصل إلى مرحلة الاستهداف الجسدي والرقمي لأي عمل صحافي يُوثّق أحداث اليوم في قطاع غزة، إلى جانب إعلان رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، فتح «الجبهة الثامنة» للسيطرة على محتوى شبكات التواصل الاجتماعي لحماية صورة «إسرائيل» المفضوحة خلال الأعوام الأخيرة.

